فصل: ذكر جزائر البحر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: صفة جزيرة العرب (نسخة منقحة)



.صفة اليمن الخضراء:

سميت اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها، والبحر مطيف بها من المشرق إلى الجنوب فراجعاً إلى المغرب، ويفصل بينها وبين باقي جزيرة العرب خط يأخذ من حدود عُمان ويبرين إلى حد ما بين اليمن واليمامة فإلى حدود الهجيرة وتثليت وأنهار جرش وكتنة، منحدراً في السراة على شعف عنز، إلى تهامة على أم جحدم، إلى البحر حذاء جبل يقال له كدمُّل، بالقرب من حمضة، وذلك حد ما بين بلد كنانة واليمن من بطن تهامة، وأول إحاطة البحر باليمن من ناحية دما فطنوى فالجمجة فرأس الفرتك فأطراف جبال اليحمد وما سقط وانقاد منها إلى ناحية الشِّحر فالشِّحر فغبّ الخيس فغب الغيث بطن من مهرة فغب القمر زنة قمر السماء فغب العقار بطن من مهرة فالخيرج فالأسعاء، وفي المنتصف من هذا الساحل شرقاً بين عُمان وعدن ريسوت، وهو موئل كالقلعة بل قلعة مبنية بنياناً على جبل، والبحر محيط بها إلا من جانب واحد فالبر، فمن أراد عدن فطريقه عليها فإن أراد أن يدخل دخل وإن أراد جاز الطريق ولم يلو عليها. وبين الطريق الذي يفرق إليها والطريق المسلوك إلى عُمان مقدار ميل، وبها سكن من الأزد من بني جديد وقد كان قوم من القمر في أول عصرنا بيَّتوا من بها ليلاً فقتلوا، فممن قتل بها رجل يقال له: عمرو بن يوسف الجديدي من رؤوس أهلها أزدي، والذين أبلوا ذاك من القمر بنو خنزريت وأخرجوا من بقي من أهلها منها فتفرقوا إلى بلاد الغيث من مهرة فسكنوا موضعاً يقال له حاسك ومرباط مدة ثم أعانتهم الثّغرا من مهرة حتى رجعوا إلى قلعتهم، فلما دخلوا القلعة بعون الثّغرا خافت بنو خنزريت فخرجوا إلى البلدان وخرج رئيسهم محمد بن خالد بجماعة من بني خنزريت حتى دخلوا موضعاً يقال له رضاع برفع الراء وساكنه بنو ريام بطن من القمر فجاوروهم، ولبني ريام حصن بعُمان عظيم لا يرام، ويقال إن ساكن ريسوت القدماء البياسرة، ونزلت عليهم جديد من الأزد فترأست فيهم ثم نهكتها مع جديد ناس من أحياء العرب غير مهرة وقد يتزوجون إلى مهرة، ورأس من بها بعد ذلك موسى بن ربيع من العدس، ثم ينعطف البحر على اليمن مغرباً وشمالاً من عدن فيمر بساحل لحجٍ وأبين وكثيب يرامس وهو رباط وسواحل بني مجيد من المندب فساحل العميرة فالعارة فإلى غلافقة ساحل زبيد فكمران فعطينة فالحردة إلى منفهق جابر وهو رأس غزير كثير الرياح حديدها، إلى الشَّرجة ساحل بلد حكم فباحة جازان إلى عثَّر فرأس عثَّر، وهو كثير الموج إلى ساحل حمضة، فهذا ما يحيط باليمن من البحر.

.ذكر جزائر البحر:

وأما ما يجاور سواحل اليمن من الجزائر التي في البحر المحيط بها فدهلك. وكمران وهي حصن لمن ملك يماني تهامة. فجزائر فرسان فجزيرة زيلع وفيها سوق يجلب إليه المعزى من بلاد الحبش، فتشترى أهبها ويرمى بأكثر مسالخيها في البحر. وجزيرة بربرا وهي قاطعة من حد سواحل اليمن ملتحقة في البحر بعدن من نحو مطالع سهيل إلى ما شرق عنها وفيما صالى منها عدن وقابله جبل الدخان. وجزيرة سقطرى وإليها ينسب الصبر السقطري وهي جزيرة بربرا مما يقطع بين عدن وبلد الزنج ثابتاً على السمت، فإذا خرج الخارج من عدن إلى بلد الزنج أخذ كأنه يريد عمان وجزيرة سقطرى تماشيه عن يمينه حتى تنقطع ثم التوى بها من ناحية بحر الزنج، وطول هذه الجزيرة ثمانون فرسخاً وفيها من جميع قبائل مهرة وبها نحو عشرة آلاف مقاتل وهم نصارى، ويذكرون أن قوماً من بلد الروم طرحهم بها كسرى، ثم نزلت بهم قبائل من مهرة فساكنوهم وتنصر معهم بعضهم وبها نخل كثير ويسقط إليها العنبر وبها دم الأخوين وهو الأيدع والصَّبر الكثير، وأما أهل عدن فيقولون إنه لم يدخلها من الروم أحد ولكن أهلها الرهابنة، ثم فنوا وسكنها مهرة وقوم من الشرُّاة، وظهرت فيها دعوة الإسلام، ثم كثر بها الشراة فعدوا على من بها من المسلمين فقتلوهم غير عشرة أناسية وبها مسجد بموضع يقال له السوق.

.مدن اليمن التهامية:

عدن جنوبية تهامية وهي أقدم أسواق العرب وهي ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق فقطع في الجبل باب بزبر الحديد، وصار لها طريقاً إلى البر، ودربا وموردها ماء يقال له الحيق أحساء في رمل في جانب فلاة إرم وبها في ذاتها بؤور ملح وشروب وسكنها المربون والحماحميون والملاحيون والمربون يقولون إنهم من ولد هارون، ومن أهل عدن ابن مناذر الشاعر وابن أبي عمر المحدث. ولحج بها الأصابح وهم ولد أصبح بن عمرو بن حارث ذي اصبح بن مالك بن زيد بن الغوث ابن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة وهو حمير الأصغر.
وأبين وبها مدينة خنفر والرواغ وبها بنو عامر من كندة قبيلة عزيزة، وموزع، والشِّقاق والمندب وهما لبني مجيد بن حيدان بن عمرو بن الحاف، وفرسان قبيلة من تغلب وكانوا قديماً نصارى ولهم كنائس في جزائر الفرسان قد خربت وفيهم بأس، قد يحاربهم بنو مجيد ويعملون التجارة إلى بلاد الحبش ولهم في السَّنة سفرة، فينضم إليهم كثير من الناس ونسَّاب حمير يقولون إنهم من حمير. والحصيب وهي قرية زبيد وهي للأشعريين، وقد خالطهم بآخرة بنو واقد من ثقيف، وقرى بواديها حيس وهي للرّكب من الأشعر، والقحمة للأشاعرة وفيها من خولان وهمدان، وذوال المعقر. والكدراء مدينة يسكنها خليط من عك والأشعر وباديتها جميعاً من عك إلا النبذ من خولان قال عمرو بن زيد أخو بني حي بن عوف من خولان: مضت فرقة منا يحطوّن بالقنا فشاهر أمست دارهم وزبيد ثم المهجم وهي مدينة سردد وأكثر بواديها وأهل البأس منهم خولان من أعلاها وأسفلها وشماليها لعكّ. ومورٌ وبه مدينة تسمى بلحة لعكّ، ومور أحد مشارب اليمن الكبار. ثم الساعد من أرض حكم بن سعد قرية لحكم. والسقيفتان قرية لحكم على وادي خلب ويكون بها وبالسَّاعد أشراف حكم بنو عبد الجد. ثم الهجر قرية ضمد وجازان وفي بلد حكم قرى كثيرة يقال لها المخارف وصبيا. ثم بيش وبه موالي قريش، وساحله عثر وهو سوق عظيم شأنها وقد تثقله العرب فيقولون عثَّر وإلى حازة عثَّر تنسب الأسود التي يقال لها أسود عثر وأسود عتود. وهي قرية من بواديها وقد ذكرها ابن مقبل فقال:
جلوسها بها الشم العجاف كأنهم ** أسود بترج أو أسود بعتودا

وأم جحدم قرية بين كنانة والأزد وهي حد اليمن.

.مدن اليمن النجدية وما شابه النجدية:

أول مدن اليمن التي على سمت نجدها الجند من رض السكاسك، ومسجده يعد من المساجد الشريفة كان اختطَّه معاذ بن جبل ولا يزال به مجاورة وإليه زوَّار، وجميع ما ذكرناه من قرى تهامة اليمانية فإنها تنسب في دواوين الخلفاء إلى عمل الجند. وجبأ مدينة المعافر وهي لآل الكرندى من بني ثمامة إلى حمير الأصغر.
وجيشان مدينة يسكنها خليط من حمير من رعينيّ ورداعيِّ وصراريّ وغير ذلك، وبالقرب منها قرى لها بوادٍ تنسب إليها مثل حجر وبدر، والصهيب ويسكنها قوم من سبأ يقال لهم سبأ الصُّهيب، وأما بدر فسكنها البحريون من الصَّدف ومنهم من سكن بلحج مع الأصابح كان منهم اوس بن عمرو قاتل الجوع وفيه يقول الشاعر وهو ابن البيلماني:
ألا إن أوساً قاتل الجوع قد مضى ** وورَّث عزّاً لا تنال أطاوله

ثم منكت مدينة السُّخطييِّن وهم بقية بيت المملكة من آل الصَّوَّار ولهم كرم وشرف متعال وهم قليل. ثم ذمار وساكنها من حمير وفيها نفر من الأبناء، والذِّماري المحدَّث منها، ولم يزل بها وبالجند وجيشان علماء، وفقهاء مثل أبي قرَّة صاحب المسند، وعبد الرحمان بن عبد الله قاريء المساند. ثم رداع وهي مدينة يسكنها خلط من حمير من الأسوديِّين ومن خولان وللجارب وعنس ويكتنفها في باديتها الربيعيون والزياديون وبلحارث وبنو حبيش من زبيد، ومن أهلها أحمد بن عيسى الخولاني صاحب ارجوزة الحج، وقد أثبتناها في آخر الكتاب وابن أبي منى الشاعر فارسي من الأبناء، ورداع بين نجد حمير الذي عليه مصانع رعين وبين نجد مذحج الذي عليه ردمان وقرن وفي جنوبيها مدينة حصي وبترى والخنق من أرض السَّرو.
ثم مدينة صنعاء:
وهي أم اليمن وقطبها لأنها في الوسط منها ما بينها وبين عدن كما بينها وبين حد اليمن من أرض نجد والحجاز، وكان اسمها في الجاهلية أزال ويسميها أهل الشام القصبة، وتقول العرب: لابد من صنعا، ولو طال السفر وينسب إلى صنعاء صنعاني مثل بهراء بهراني لأنهم رأوا النون أخف من الواو وخولان لا تنسب إليها إلا على بنية الأصل صنعاوي، وكلهم يقولون في ساكن الكدراء كدراوي ولا يقولون كدراني، وصنعاء أقدم مدن الأرض لأن سام بن نوح الذي أسَّها. وقد جمعت أخبارها في القديم في كتاب الإكليل وأضربنا عن ذكر قديمها في هذا الموضع صفحا، ولم يزل بها عالم وفقيه وحكيم وزاهد، ومن يحب الله عز وجل المحبة المفرطة، ويخشاه الخشية اليقظى على نحو ما ذكره بطليموس في طبائع أهل هذا الصُّقع وهم مع ذلك أهل تمييز لعارض الأمور وخدمة السلطان بأهبة وتملك وتنعم في المنازل ولهم صنائع في الأطعمة التي لا يلحق بها أطعمة بلد، ولهم خط المصاحف الصنعاني المكسر والتحسين الذي لا يلحق بهم ولهم حقائق الشكل ذكرهم بذلك الخليل، ولهم الشروط دون غيرهم، ولا يكون لفقيه من أهل الأمصار شرط إلا ولهم أبلغ منه وأعذب لفظاً وأوقع معنى وأقرب اختصاراً. ومنهم الخطباء كمطرِّف بن مازن وإبراهيم بن محمد بن يعفر بضم الياء وكسر الفاء. وفيها العلماء كوهب بن منبه وأخويه هماَّم ومعقل؛ وعبد الرّزَّاق، وعبد الرحمن بن داود، وابن الشرود وهشام بن يوسف، ومطرِّف بن مازن المخترع لمفارع الغيول. ومن أصحاب النجوم: دردان، وابو عصمة، وأبو جندة، وابن عاصم، وابن المنيذر، وابن عبد الله وغيرهم. ومن الشعراء مثل علقمة ذي جدن، ووضَّاح اليمن ووفد بشعره على الوليد واغتيل بسبب أم البنين بنت بشر بن مروان، وبكر بن مرداس وكان ظريفاً آدم حسن الهيئة والنظارة وكانت له ثياب بعدد أيام مخرجه من منزله في السنة وكان من تمام مروءته ألاَّ يخرج من منزله حتى يعقد شسعي نعله فلم يره أحد منقطع الشسع في طريق، وكان شعره سائراً، فخبرني ابن مرزا الأبناوي عن بعض من حدثه من أهل صنعاء عن أبيه قال: وافيت الحج فرأيت في الطواف فتى ظريفاً خفيف الروح يعصب به جماعة حتى قضى طوافه وصلاته فقلت: من هذا؟ فقيل أبو نواس الحسن بن هاني فسلمت عليه وفاوضته وأخبرته بنفاق أشعاره وأخباره بصنعاء وسألته شيئاً منه فقال: تطلبني مثل هذا وعندكم بكر بن مرداس قال: قلت وإنه عندك بهذه المنزلة؟ فقال: أما هو القائل:
يا إخوتي إن الطبيب الذي ** ترجون أن يبرئني مسقمي

وما ألى نصحاً ولكنه ** عن علم ما بي من سقام عمي

فسائلوه عن عقاقيره ** وسائلوه ما الذي احتمي

فإنما الطب لمن داؤه ** من مرَّة أو بلغم أو دم

والحب لا يشفي بايَّارجٍ ** ولا بترياق ولا محجم

إلا بشم الحبِّ أو ضمه ** ومجِّ ريق من فم في فم

فيا شفاء النفس من دائها ** داوي سقامي وارحمي ترحمي

فلو بعينك إذا جننَّى ** ليل وأغفت أعين النوَّم

طوفى على بابكم باكياً ** لحرِّ شجو في الحشا مضرم

لخلت أني طائف محرمٌ ** في ساحة البيت إلى زمزم

واستيقنت نفسك أن الهوى ** أشد ما يعلق بالمسلم

فأعتقي عبدك مما به ** وأكرمي وجهك أن تظلمي

وقال بكر أيضاً على لسان أعرابيين وفدا على يزيد بن الوليد والي اليمن وذكر اللحية:
فقدنا لحانا ما أقل غناءها ** واضيع فيها الدهن يا ابن مطيع

دهنّا ونفَّشناهما لأميرنا ** كخافيتي نسر هوى لوقوع

فما ساقتا خيراً سوى الطول منهما ** وأنهما غمّ لكل ضجيع

فيا ليتنا كنا سناطين منهما ** نؤمل كالأعراب كل ربيع

فنسلب مالا لا نروِّع بعده ** مخافة عري، أو مخفة جوع

ومن شعراء صنعاء أبو السمط الفيروزي من الأبناء شاعر مفلق وقد على المهدي ممتدحاً فقبل مدحه، ومدح البرامكة وقاموا به على حد الفارسية واقتطعوا له من المهدي أموالاً بصنعاء وعقاراً وقد أثبتنا مرثيته ي أخيه وهي من أحسن شعر في كتاب الإكليل.
ومن شعراء صنعاء مرطل وكان هجاء للأشراف داخلاً في أعراضهم وفعل مثل ذلك بيعفر بن عبد الرحمن فجهز من نادمه فلما شرب ذات يوم مع أولئك الندامة وسكر حُمل فراشه على بعض ما ماسكه على لدابة وسروا به فوافوا به شبام إلى يعفر فانتبه وهو بين يديه فقال كيف أصبحت يا مرطل قال: في طختي يا سيدي يعني الوعاء الذي حمل من فراشه فضحك منه ومن عليه وسرحه فقطع لسانه بذلك الجميل عن أذاء الناس فلم يكن بالمرتفع. ومن شعراء صنعاء بل من باديتها عبد الخالق بن أبي الطلح الشهابي وكان مطبوعا مفوّها مفلقاً وقد أثبتنا قصائد من شعره في الكتاب الأول من الإكليل مع أخبار بني شهاب. ومن شعراء صنعاء نفسها إبراهيم ابن الجدوية وقد ذكرنا شيئاً من شعره في كتاب الإكليل وكان مطبوعاً في الشعر وكان في الرجز أبرع وكان ربما يشابه في بعض مذهبه الكميت في مثل كلمته في العلوي الناصر:
ناصر الدين لم تزل منصورا ** شكر الله سعيك المشكورا

وله في أبي الحسين الرسي مرثية وهي:
وهت عضد الإسلام واندقَّ كاهله ** وغالت بينه في الأنام غوائله

وكان يستغرق أكثر شعره هجاء السوقة والسقاط ومن احسن شعره كلمته في أسعد بن أبي يعفر وأولها:
يا طائرين أخال البين فارتفعا ** أن النوى قد قضت أوطارها فقعا

ولم يزل فيها من كتبة الديوان بلغاء غير مولدي الكلام ولا مستخفي المعاني ومعبدي الاستعارات مثل بني أبي رجا وغيرهم. وكان بشر ابن أبي كبار البلوي من أبلغ الناس وكانت بلاغته تتهادى في البلاد وكان له فيها مأخذ لم يسبقه إليه أحد ولم يلحقه فيه، وتعجب بلاغته ونفاستها وأنه فيها أوحد وأنه لا يشابه بلاغته البلغاء وإنه منفرد بحسن اختلاس القرآن اثبتنا منها عشر رسائل ليستدل بها على ما وراءها واقل الأثر دليل على قدر المؤثر. كتب بشر إلى إبراهيم بن عبد الله الحجبيّ وإلى صنعاء لهرون الرشيد- وكان قدم صنعاء سنة اثنتين وثمانين ومئة فأقام بها سنة وشهراً ثم صرف- في بغي هشام الأبناوي عليه وكان قد عزم على أن يولي بشراً بعض نواحي اليمن فكسر غلَّته هشام بن يوسف: أما بعد فإن رآى الأمير أمتع الله به أن لا يعلم هشاماً ما يريد من صلتي فإنه لم يردني وآلي قط بخير ولم يفتح لي باب صلة فتكون منه خالصة لا يريد بها إلا وجه الله وحده، ولا يرجو بها إلا ثوابه إلا عرض هشامٌ من دونها فثقلها وكرهها وأدار القياس فيها وضرب لها الأمثال وألقى الحيلة فيها إلى الكاتب والحاجب وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين ومدحني بما لا يسمع به من أخلاقي وانتقصني فيما لا يطمع بغيره مني ليكون ما أظهر من المدحة مصدِّقاً لما أسر من العيبة ثم زخرف ذلك بالموعظة وزينه بالنصيحة وقاربه بالمودة وأغراه من ناحية الشَّفقة وشهد عليه أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة إن غضب الله عليه إن كان من الكاذبين فإذا الحاجب يزلقني ببصره وإذا الكاتب يسلقني بلسانه وإذا الخادم يعرض عني بجانبه وإذا الوالي ينظرني نظر المغشي عليه من الموت فصارت وجوه النفع مردودة، وأبواب الطمع مسدودة، وأصبح الخير الذي كنت أرجوه هشيما تذروه الرياح والصلة التي كنت أشرفت ليها صعيداً زلقاً وأصبح ماؤها غورا فما أستطيع له طلباً فأسأل الذي جعل لكل نبي عدوّاً من المجرمين أن يكفيني شره ويصرف عني كيده فإنه يراني هو وقبيله من حيث لا أراهم. والسلام.
وله إلى يزيد بن منصور- عامل أبي جعفر المنصور على اليمن وقدم إلى صنعاء في أول سنة أربع وخمسين ومئة فأقام بها باقي خلافة المنصور وسنة من خلافة المهدي وكان قدومه بعد الفرات بن سالم: أما بعد فإنه قدم عليَّ كتاب من الأمير حفظه الله مع رسوله نعمان الهمداني يأمرني أن أبعث إليه بفرض الفرات بن سالم- يريد بالفرض شيئاً كان فرضه على أهل اليمن- وأنا أخبر الأمير أكرمه الله أنه كان قدم علينا قبل كتابه كتاب الله تعالى مع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه أن نفرق ما جمع الفرات وأن نهدم ما بنى، وأن نوالي من عادى وأن نُعادي من والى، ونظرت في الرسالتين وقست بين الرسولين بغير تحيز عرض ولا لشبهة بحمد الله دخلت فرأيت أن لا انقض ما جاء به محمد بن عبد الله لما قدم به النعمان لعنه الله وغضب عليه. وعلمت أنه من يزغ منا عن أمر الله يذقه من عذاب السعير، فليقض الأمير حفظه الله في ما كان قاضياً ثم ليعجل ذلك ولا ينظرني فوالله إن العافية لفي عقابه وإن العقاب لفي عافيته وإن الموت لخير من الحياة معه، إذا كان هذا الجد منه والحق عنده والسلام.
ولبشر أيضاً: أما بعد فإن من الناس من تحمُّل حاجته أهون من فحش طلبه، ومنهم من حمل عداوته أخف من ثقل صداقته، ومنهم من إفراط لائمته أحسن من قدر مدحته، وإن الله خلق فلانا ليغم الدنيا ويقذر به أهلها فهو على قذره فيها من حجج الله على أهلها، فأسأل لذي فتن الأرض بحياته وغم أهلها ببقائه أن يديل بطنها من ظهرها والسلام.
ومن بشر إلى الشافعي في عبد الله بن مصعب:
أما بعد فإنك تسألني عن عبد الله كأنك هممت به إذ سرك القدوم عليه فلا تفعل يرحمك الله، فإن الطمع بما عنده لا يخطر على القلب إلا من سوء التوكل على الله عز وجل، وإن رجاء ما في يده لا يكون إلا بعد اليأس من روح الله، لأنه يرى الإفتار الذي نهى الله عنه هو إسراف الذي يعذب الله عليه، وإن الصدقة منسوخة، وأن الضيافة مرفوعة، وأن إيثار المرء على نفسه عند الخصاصة إحدى الكبائر الموجبة الهلكة، وكأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى الذي قطع الله دابرهم ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وكأن الرجفة لم تصب أهل مدين عنده إلا لسخاء كان فيهم، ولم يهلك الريح العقيم عاداً إلا لتوسع ذكر منهم، وهو يخاف العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على الإقتار، ويعد نفسه الفقر، ويأمرها بالبخل، خيفة أن ينزل به بعض قوارع الظالمين، ويصيبه ما أصاب القوم المجرمين، فأقم يرحمك الله على مكانك، واصطبر على عسترك وتربص به الدوائر، عسى الله أن يبدلنا وإياك خيراً منه زكاة وأقرب رحماً والسلام.
ومنه إلى بشَّار بن رضابة:
أما بعد فإني رأيتك في أول زمانك تغدو على العلماء وتروح عنهم، وتحدث عن الله وعن ملائكته ورسله، وقد أصبحت تحدث عن معن وعن عمالَّه، وعن أبي مسلم وعن أصحابه، فبئس للظالمين بدلاً، فمن خلَّفت على أهلك أو على من تتكل في هول سفرك أو بمن تثق في حال غربتك؟ أبا الله أم عليه؟ وكيف ولست أخشى عليك إلا من قبله لأنه قد اعذر إليك وأنذر، فعصيت أمره، وأطعت أعداءه، وخرجت مغاضبا تظن أن لن يقدر عليك، فاتق على نفسك الزلل، وأنزل عن دابتك في كل جبل، فإذا استويت أنت ومن معك على ظهورها فلا تقل: سبحان الذي سخر لنا هذا لأن الله تبارك وتعالى قد كره أن يحمد على ما نهى عنه ولكن قل: ربنَّا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفا في النار. والسلام.
ومنه إلى الحجبي: أما بعد فإن الله وله الحمد قد كان عرّضني وجوها كثيرة وخيرني في مكاسب حلال، وكنت بتوفيق الله عز وجل وإحسانه قد اخترت منها ناحية الأمير حفظه الله تعالى ورضيت به من كل مطلب، واقتصرت على رجائه من كل مكسب، فأثابه الله عز وجل بذلك فتحاً قريباً، ومغانم كثيرة عجّلها وكان الله عزيزاً حكيماً، وقد عرف الأمير حفظه الله تعالى طول مودتي له، وقديم حرمتي، وأني ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل، ثم إني لم أتعرب بعد الهجرة، ولم أنافق بعد النصرة، ولم أكن كحاطب حين ألقى بالمودّة، ولا كتميم يوم نادوا من وراء الحجرات، بل أقمت على مكانتي، واصطبرت على عسرتي، حتى جاء الفتح من عند الله، وطلع الأمير حفظه الله، فلما ظهر وتمكن، ورجونا الغنى معه حين أيسر واثخن، والعز تماماً على الذي أحسن، قرّب الأحزاب، وأدنى المخلَّفين من الأعراب، وآثر بالفيء من لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وأصبحت أياديه عند المؤلفة قلوبهم، ومن كان يلمزه في الصدقات منهم، وصنائعه عند المعذّرين من الأعراب الذين جاؤوا من بعدهم، ظاهرة في الآفاق وفي أنفسهم، وأصبح نقباء العقبة وفقراء الهجرة ومساكين الصُّفة تفيض أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والسابقون الأولون منا ومن أهل النصرة مرجوون لأمر الله، فإن رأى الأمير حفظه الله أن يعطف علينا من قبل أن يزيغ قلوب فريق منا فعل فإن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعا، ولست أدري ماذا أعتذر به اليوم إلى الناس في أمري عن الأمير، وهم يعلمون أني قد رأيت فيه ثلثي أملي ولم ابلغ في نفسي ربع رجائي، أم ماذا ينتظر الأمير حفظه الله فيَّ بعد أن آتاه الله لملك، وعلمه الحكمة، ومكنه من خزائن الأرض وجعله في الدنيا وجيهاً، وفي الإسلام مكيناً، وعند الخليفة- أبقاه الله تعالى- مطاعاً أميناً، فمن يفر الأمير بعد هذه النعمة أو من يعذره مع هذه الكرامة، ومن يرضى منه بأقل من جبرانه إلا من سفه نفسه والسلام.
وكتب إلى يحيى بن خالد بن برمك يستمتع بالحجبيِّ:
أما بعد حفظ الله أبا علي، وحفظ لك ما استحفظك من دينك، وأمانتك وخواتيم عملك، أما ما تحب أن ينتهي إليك علمه من قدوم الحجبي علينا، وما عمل به فينا، وعلى ما أصبح المسلمون معه قبلنا، فكل ذلك- بحمد الله ونعمه- على أفضل سرورك، وأعظم رجائك، ومنتهى أملك، من سكون الدهماء وأمان السبل، وحسن الحال وتتابع الأمطار، وقد اصبح الناس بحمد الله رحماء بينهم لا يسمع إلا سلام سلاماً، فلذلك أنَّ الحجبي لما قدم علينا فزع إلى خيار الناس وأهل الصلاح منهم فقربهم وأدناهم، وغلظ على أهل الفجور والريبة وأبعدهم وأقصاهم، وبعث لحملة القرآن فلما اجتمعوا إليه من أطراف البلاد وتخير الفقهاء وذوي الرأي منهم فجعلهم بطانته وأهل مشاورته، وبعث كثرتهم عمالاً على كثير من نواحي عمله، وعهد إليهم ما عهد إليه أمير المؤمنين في أخذ الصدقات والزكاة على وجوهها وقسم السُّهمان الخمسة موفَّرة بين أهلها، وأعلمهم أن أمير المؤمنين لم يأمره ولا من قبله من ولاة اليمن وغيرها إلا بالعدل والإحسان، وأن أمير المؤمنين يبرا إلى الله من ظلم كل ظالم وجور كل جائر وأنه قد خلع ما يتثقل به عن رقبته وجعله في دين الحجبيِّ وأمانته، فلم يبق عند ذلك فرقة من فرق المسلمين، ولا جماعة من الصالحين، ولا أحد من الفقراء المساكين، إلا دعا لأمير المؤمنين بطول البقاء، ثم دعوا لك يا أبا علي بأفضل الدعاء، ونشروا عنك أحسن الثناء، لما ساقه الله إليهم بسببك وجعله بيمن مؤازرتك، وأجراه لهم على لسانك ويدك، ولما أخذ الحجبي فيهم من ورائك فإنا قد عرفناه بالرفق الذي ليس معه ضعف وبالشِّدَّة التي ليس معها عنف، وبالجد الذي لا يخالطه هزل، ثم هو مع ذلك قليل الغفلة شديد التهمة، لا يتكل على كتابه ولا يفوض أمره إلى أمنائه، ولا يطمئن إلى جلسائه حتى يتفقد الأشياء بنفسه فيورد ما حضر منها على عينه ويصدر ما غاب عنه منها على علمه، لا يمنعه من مطالبة الصغير مزاولة الكبير، قد أحكم السياسة ورسخ في التدبير، فأشد الناس خوفاً لغضبه أرجاهم جميعاً لمثوبته، وأقلهم أماناً لعقوبته أطولهم لزوماً لمجالسته، قد أشغل كلا بنفسه فأقبل كل على شأنه فليس أحد يجاوز حده ولا يعدو قدره، ولا يتكلم إلا فيما يعنيه، ولسنا نراه بحمد الله يزداد في كل يوم إلا شدة ولا تزداد الأمور معه إلا إحكاماً فليس لمغتاب إليه سبيل ولا لمنتقص معه طمع. والسلام.
وله إلى الحجبي- وكان نهاه عن التعرض للوزراء ولأهل العراق: أما بعد فإنك كتبت إلي تنهاني عن السلطان وعن قربه ولست أعتذر إليك في ذلك، إن دعاني السلطان سارعت، وإن بطأ عني تعرضت، فإن كان الله تبارك وتعالى أحل لك خدمة أمير المؤمنين ومنادمة الفضل ومسامرة جعفر وأباح لك أن تأخذ من أمولهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وحرم عليَّ مكاتبة الشرط ومراسلة البرد والتخدُّم للخصيان والتعرض للدايات وحضر عليَّ من أموالهم ما أسد به الفورة وأواري به العورة فأنا الهالك وأنت الناجي، وإن لم يكن الأمر على ذلك وكان لكل امريء منا ما اكتسب من الإثم فأنت الذي تولى كبره منهم، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه، والسلام.
وله إلى يحيى بن خالد بن برمك: أما بعد فإني كتبت إليك كتباً لم أرَ لشيء منها جواباً، ولست أمتع الله بك أتكبر عن مواترة الكتب إليك ولا أستنكف على تركك الكتاب إلي لأن مثلك لا يكتب إلى ضعيف مثلي إلا بعون الله وتأييده، ولا يلقى الحكمة كتَّابه إلا بتوفيق الله عز وجل وإحسانه ولعلك أمتع الله بك لم يوافق نزول ذلك من ربك فإنه تبارك وتعالى يقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير. والسلام.
وله أيضاً إلى علي بن سليمان- وكان قدومه إلى اليمن والياً لها عن المهدي سنة اثنتين وستين ومئة وأقام بها سنة ونصفاً.
أما بعد فإنه لما اختلط عليَّ من عقلي، واشتبه علي من رأيي وشككت فيه من أمري، فلست أشك في أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يقدر عليَّ رزقي وأن يبتليني بالشدة على عيالي أطلعك على ذات طمعي، ودلّك على وجه طلبي، وجعلك جليساً لأهل حاجتي، ثم ابتلاني بطلبها إليك، فإذا ذكرتها أسفرت وأبشرت، ووعدت من نفسك وعداً حسناً، ففرقت نفقتي لإسفارك، ووسعت على عيالي لإبشارك، وتسلَّفت من إخواني لوعدك، فإذا أتيتك منتجزاً عبست وبسرت، ثم أدبرت واستكبرت، وقد تصرمت النفقة وانقطع لرجاء وأيست من الطمع كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وأعظم ذلك عندي كربا وأشده جهداً أن غيرك يعرض عليَّ الحاجة التي طلبتها إليك، فأكره أن تكون إلا بسببك، وأن تجري إلا على يدك، ولعمري ما كان ذلك إلا لسابق العلم في شقوتي بك، فأسأل الله عز وجل الذي جعل جاهك من بليتي وحسن منزلتك من مصابي، وطول حياتك فتنة لعيالي أن ينقلك إلى جنته قبل أن يرتد إليك طرفك. والسلام.
ومن بشر إلى آخر:
أما بعد، فإني رأيتك في أمر دينك متصنعاً مخذولاً وفي أمر دنياك فاجراً مثبوراً، وفيك خصال لا تجتمع في مسلم إلا بسوء سريرة أو مقارفة كبيرة أو إضمار عظيمة، يع بها أولياء الله ويخص بها ولد رسول الله، ومن آيات ذلك إنها تشمئز قلوب أهل الحرمين إذا ذكرت وتقشعر قلوب أهل المصريين إذا مدحت، وأنهم لا يزدادون لك إلا بغضاً ولا في الشهادة عليك إلا قطعاً، لمعرفتهم بك قديماً وعلمهم بحالك صغيراً وكبيراً، فلعمري لئن كنت إلى يومك هذا كما زعموا إنك إذا من المستهزئين، ولئن كنت قد نزعت عما عهدوا ما أخلصت لله إذن توبتك، ولا صدقت نيتك، وإن في إيمانك لضعفا، وإن في نفسك لوهنا، وإن في صدرك لكبرا وإن في قلبك لقساوة، وإن في معيشتك لإسرافاً، وما أحسبه صح في يدك من زينة الله التي أخرج لعباده وأرزاقه الطيبة التي بسطها على خلقه ما تبلغ به لذة، ولا تقضي به ذمة، لأن ذلك لم يصل إليك إلا ببغي المسلمين، وبطالة المستهزئين، وإفك المفترين، فلا أحسبك إذا كنت بهذا وأشباهه تبرأ بشيء من كسبك عن شيء من دينك إلى أحد من غرمائك، إلا صرت ممن يبرأ من ذلك إلى أهل الأرض غريماً لأهل السماء، ولا تصل بشيء من جمعك أحداً من ذوي قرابتك إلا كانت مسألة الله إياك عن قطيعتهم أهون عليك من محاسبته إياك بما يصل إليهم، ولا تنفق نفقة صغيرة ولا كبيرة إلا وقِّعت لك في سجين، ولا ترفع منزلة إلا هبطت بك في أسفل السافلين، وما سلم قلبك حتى عرفت به وصليت في المشرق إلا من ضعف قلبك، ولا صح عقلك حتى رجب أهلك إلا من قلّة عقلك ولو نفرت في الأرض حيران على وجهك أو سرت إلى الجبال هارباً من خطيئتك أو ترممت العظام مع الكلاب، أو ولغت فضول الماء مع السباع لكان ذلك بقدر جرمك خفضاً ودعة من جنائك وبقدر عملك رغدا من معيشتك، ولو ابيضت عيناك من الحزن، وعضضت على يديك فأبنتهما من الغبن وتقطع قلبك من الهم أو ذهبت نفسك حسرات لما كان ذلك أرش ما جرحت به من دينك ولا نذر ما لويت به من أمانتك ولا قيمة ما فاتك من ربك فإذا بلغت من نفسك المسكينة ما بلغت ورضيت عنك نفسك الضعيفة ما صنعت فلا تجعل مع الله إلاهاً آخر فتقعد ملوماً مخذولاً.
قال أبو محمد: ثم من بعد صنعاء من قرى همدان في نجدها بلدها ريدة وبها البئر المعطلة والقصر المشيد وهو تلفم وفيه يقول علقمة بن ذي جدن:
وذا لعوة المشهور من رأس تلفم ** أزلن وكان الليث حامي الحقائق

ويسكنها اللَّعويون وأثافت ** وتسمى أثافة بالهاء وبالتاء أكثر

وخبرني الرئيس الكبارى من أهل أثافت قال كانت تسمى في لجاهلية درنى وإياها التي ذكرها الأعشى بقوله:
أقول للشرب في درنى وقد ثملوا ** شيموا وكيف يشيمم الشارب الثمل؟

وكان الأعشى كثيراً ما يتخرّف فيها وكان له بها معصرٌ للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل أثافت من أعنابهم، ويروون في قصيدته البائية:
أحب أثافت وقت القطاف ** ووقت عصارة أعنابها

ويسكنها آل ذي كبار ووادعة.
وخيوان: أرض خيوان بن مالك وهو من غرر بلد همدان وأكرمه تربة وأطيبه ثمرة ويسكنها المعيديون والرضوانيون وبنو نعيم وآل أبي عشن وآل أبي حجر من أشراف حاشد، وهي الحد بين بكيل وحاشد وكان معيد جدهم مع علي عليه السلام فأغضبه فبات يكدم واسط كوره حتى أفناه ولحق بمعاوية ولم يزل بها نجد وفارس وشاعر، ومن شعرائهم ابن أبي البلس وهو القائل في أبي الحسين يحيى بن الحسين الرَّسي في كلمة له سينية:
لو أن سيفك يوم سجدة آدم ** قد كان جرّد ما عصى إبليس

ثم من هذه السراة في بلد خولان بن عمرو بن الحاف مدينة صعدة وكانت تسمى في الجاهلية جُماع وكان بها في قديم الدهر قصر مشيد، فصدر رجل من أهل الحجاز من بعض ملوك البحر، فمر بذلك القصر وهو تعب، فاستلقى على ظهره وتأمل سمكه فلما أعجبه قال: لقد صَّعده لقد صَّعده!! فسميت صعدة من يومئذ، وقال بعض علماء العراق: إن النِّصال الصاعدية تنسب إلى صعدة وإنما يقال فيها الصعدية فإذا اضطر شاعر قال صاعدية في موضع صعدية. وهي كورة بلاد خولان وموضع الدباغ في الجاهلية الجهلاء وذلك أنها في موسط بلاد القرظ وهو يدور عليها في مسافة يومين فحده من الجنوب خيوان وبلا وادعة، ومن الشمال مهجرة في رأس المنضج من أرض بني حيف من وداعة أيضاً ومن المشرق مساقط برط في الغائط، ومن المغرب معدن القفاعة من بلد الأجدود من خولان، ثم لا مدينة بعدها من نجد اليمن، وكان بها حروب وأيام قد ذكرناها في بعض كُتبنا وذكرنا من كان بها من شعراء خولان، وكذلك نجران كان بها أيام وحروب وشعراء من بلحارث وهمدان وكان من شعرائها ابن البيلماني من الأبناء.